قبل الجلسة الأوروبية: في الانتظار قراءات الميزان التجاري بمنطقة اليورو خلال حزيران
تتوالى الأسابيع الاقتصادية و لا يزال صانعي القرار جاهدين محاولة التخفيف من الآثار السلبية التي سببتها الأزمة الائتمانية الأعمق منذ الحرب العالمية الثانية، لقد فاجأتنا كل من ألمانيا و فرنسا التي تعدان أحد الأعمدة الأساسية ببناء منطقة اليورو خلال الأسبوع الماضي بتحقيق ما لم تستطع غيرها من الاقتصاديات المنافسة تحقيقه، و هو تحقيق النمو في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من العام الحالي.
و لم يقتصر الأمر على تحقيق النمو في قراءات الناتج المحلي الإجمالي في كل من ألمانيا و فرنسا، بل أمتد لانخفاض وتيرة الانكماش في الركود الاقتصادي بمنطقة اليورو و الاتحاد الأوروبي، هذه البيانات الأوروبية الجيدة نشرت التفاؤل في الأسواق المالية بقرب انتهاء الأزمة الاقتصادية الأسوأ منذ الكساد العظيم، و أكدت بأن الاقتصاد الذي تروى بالتدخل في السياسة المالية و النقدية هو الذي ستستطيع اجتياز هذه المرحلة الحرجة بوتيرة أسرع من غيره من الاقتصاديات.
أن النمو الذي حققه العملاقين الأوروبيين سيدعم منطقة اليورو كاملة لتحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشود كون هذين العملاقين يعدان بؤرة التجارة الأوروبية، حيث تعتبر ألمانيا المصدر الأول في القارة الأوروبية و هذا بدوره سينعش الدورة الاقتصادية بالمنطقة كاملة، و تعد فرنسا من الدول الأوروبية التي تعتمد بشكل أساسي على الإنفاق الاستهلاكي و تحقيقها للنمو يعكس تحسن مستويات الثقة التي دعمت مستويات الإنفاق في فرنسا.
أن انخفاض وتيرة الانكماش بمنطقة اليورو بالإضافة تحقيق النمو في كل من فرنسا و ألمانيا يعكس تجاوب الاقتصاد مع مساعي المفوضية الأوروبية و البنك المركزي الأوروبي المتمثلة بإقرار خطط الإنقاد الحكومية و تخفيضات بأسعار الفائدة المرجعية بالإضافة لتطبيق سياسة التخفيف الكمي المتضمنة شراء السندات الحكومية من السوق الأولي و الثانوي بقيمة 60 بليون يورو.
نعم، أننا متفائلون بما قدمه الاقتصاد الأوروبي و لكن لتكتمل فرحتنا لا بد من عدم إغفال حقيقة بأن اقتصاد الدول الستة عشر الأعضاء بمنطقة اليورو لا يزال يعاني من ضعف بمستويات الطلب على السلع و المنتجات متأثرا بانخفاض مستويات الإنفاق و الاستهلاك كنتيجة لاحقة لما سببه الركود الاقتصادي الذي طال أمده و الذي دفع معدلات البطالة الأوروبية لترتفع لأعلى مستوى منذ ما يقارب 10 أعوام عند ما نسبته 9.4%.
و أننا كذلك لا نستطيع إنكار حقيقة أخرى و هي انخفاض المستويات العامة للأسعار نتيجة لتراجع مستويات الاستهلاك و الإنفاق الذي بدوره يزيد المخاوف من وقوع المنطقة بانكماش التضخم خاصة بعد أن تراجعت أسعار المستهلكين خلال تموز لتسجل مستويات سالبة عند -0.7% مقارنة بالقراءة السابقة بنسبة 0.2%، و يأتي هذا الانخفاض متوافقا مع توقعات البنك المركزي الأوروبي الذي صرح بمناسبات سابقة باحتمالية انخفاض معدل التضخم لمستويات سالبة بشكل مؤقت خلال النصف الثاني من العام الحالي دون الوقوع بانكماش التضخم.
إذا أن المخاوف من انكماش التضخم بالإضافة لارتفاع معدلات البطالة من المتوقع أن تقف عائقا دون تحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشود الذي يفترض بأن الاقتصاد لا بد له من تحقيق النمو في الناتج المحلي الإجمالي خلال ثلاثة أرباع اقتصادية متتالية، و من الجدير بالذكر بأن ما حققته منطقة اليورو خلال الربع الثاني كان نتيجة لدعم الحكومي، فكيف سيكون أداء الاقتصاد الأوروبي إذا توقفت كل هذه الحوافز التي قدمتها الحكومة.
وصلنا لأجندتنا الاقتصادية حيث ننتظر اليوم بيانات الميزان التجاري المعدل موسميا خلال حزيران حيث من المتوقع أن يسجل توسعا بالفائض ليصل إلى ما قيمته 1.3 بليون يورو مقارنة بالقراءة السابقة بقيمة 0.8 بليون يورو، تراجعت الصادرات الأوروبية متأثرا بضعف مستويات الطلب الخارجي على السلع و البضائع الأوروبية نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية، و لكن لا بد للصادرات الأوروبية من الاستفادة من انخفاض قيمة اليورو خلال حزيران كونه يجعل البضائع الأوروبية أكثر جاذبية من غيرها.
تراجعت الواردات بعد أن انخفضت مستويات الطلب المحلي على السلع و البضائع الأجنبية نتيجة لانخفاض مستويات الإنفاق و الاستهلاك بالمنطقة بعد أن ارتفعت مستويات البطالة لأعلى مستوى منذ عام 1999 و تراجعت مستويات الثقة بالاقتصاد، و من هنا عزيزي القارئ، نرى بأن ما حققه الاقتصاد الأوروبي لا بد أن يتبلور بمزيد من الدعم من صانعي القرار حيث تستطيع المنطقة الخروج من أعمق ركود اقتصادي سببته الأزمة الائتمانية الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.